اللغة النوبية في رحلة استيطانها داخل وادي النيل

اللغة النوبية في رحلة استيطانها داخل وادي النيل

اندبندنت العربية تنشر تقريرًا موسعًا
حول اللغة النوبية ومعجمها الذي أصدره المركز

نشرت اندبندنت العربية مؤخرًا تقريراً موسعاً بعنوان (اللغة النوبية في رحلة استيطانها داخل وادي النيل)، تناولت فيه العديد من القضايا والأطروحات حول اللغة النوبية التي يتحدث بها 11 مليون من سكان جنوب مصر وشمال السودان وتعد من أعرق اللغات الحامية ظهرت في القرن الثالث ق. م، حيث استند هذا التقرير على آراء الباحث مكي علي إدريس، والباحث خليل عيسى التي طرحاها في كتاب معجم اللغة النوبية (نوبي/ عربي) الذي أصدره المركز مطلع العالم 2019م، وفيما يلي نص التقرير كاملاً:

معجم اللغة النوبية
معجم اللغة النوبية

اللغة النوبية في رحلة استيطانها داخل وادي النيل

هبة الدسوقي

تعد اللغة النوبية، التي يتحدث بها سكان منطقة وادي النيل في جنوب مصر وشمال السودان، البالغ عددهم نحو 11 مليون نسمة، واحدة من أعرق اللغات الحامية المنتشرة في أفريقيا والسودان، فقد ظهرت في القرن الثالث قبل الميلاد، لكنها لم تكن أول لغة محلية تستخدم في هذه المنطقة، فقد سبقتها اللغة الفرعونية، ثم اللغة المروية التي حلت محل الفرعونية بعد انقطاع صلة سكان الوادي بمصر، وكانت تكتب بطريقتين، إحداهما عن طريق الصور (الهيروغليفية)، والثانية بواسطة الحروف (الديموطيقية)، وعددها 23 حرفاً منها 4 معتلة، و19 ساكنة.
وبحسب باحثين في تاريخ اللغة النوبية، فإن النوبية وفدت إلى منطقة وادي النيل بواسطة قبائل قدمت من شمال غربي أفريقيا عبر أقليم كردفان الواقع في غرب السودان، خلال فترة سقوط مملكة مروي، لتحل محل اللغة المروية التي لم يستطع أحد حتى الآن فك رموزها.
لكن في بدايتها كانت النوبية لغة تحدث فقط، ومع دخول المسيحية في القرن السادس الميلادي، وبروز الحاجة لترجمة نصوص الإنجيل، قام النوبيون باستخدام الحروف القبطية ذات الأصل اليوناني، لتدوين لغتهم النوبية بعد إضافة ثلاثة أحرف إليها، ليصبح عدد أحرفها 34 حرفاً. بالتالي أصبحت لغة تحدث وكتابة، وأداة للتواصل المعرفي بين الأجيال، فضلاً عن إسهامها في ترسية قواعد الحضارة والثقافة في هذه المنطقة من أدب وشعر وفن وغناء وقصص وروايات، وغيرها.

أوشكرين ونوبين

يوضح الباحث السوداني في اللغة النوبية مكي علي إدريس، أن الكيفية التي برزت بها اللغة النوبية ما زالت غامضة، بحيث لم يعلم أحد كيف ومتى ظهرت هذه اللغة، لأن الفجوة الزمنية ما بين آخر الوثائق المكتوبة بالمروية، وأقدم الوثائق النوبية المكتوبة، نحو أربعمائة عام. لكنه يشير إلى أن هناك ثلاث ممالك نوبية مسيحية تأسست في شمال وأواسط السودان، استخدمت الخط الإغريقي (المعدل) لكتابة اللغة النوبية، في الشؤون الرسمية للدولة.

لوحة شعبية عن النوبة
لوحة شعبية عن النوبة

ويبين الباحث أن الكنائس النوبية لعبت دوراً كبيراً في إبطال الكتابة بالخط المروي. ويقول في ذلك المؤرخ الكندي بروس تريجر، “بعد انهيار مملكة مروي على يد الأكسوميين، بقيادة عيزانا الحبشي، حلت اللغة النوبية محل اللغة المروية تدريجاً، وسادت في وسط السودان وشماله، أما اللغة المروية التي شغلت وادي النيل الأوسط، فقد فعلت ذلك على ما يبدو مدة معتبرة من الزمن. أما في أراضي السهول إلى الغرب فقد كانت هناك كتلة كبيرة من المتحدثين باللغة النوبية. وفي وقت مبكر من العصر المسيحي، شق بعض المتحدثين بأحد فروع اللغة النوبية طريقهم شمالاً، إلى أرض النوبة الحديثة، بينما شق بعضهم طريقه شرقاً إلى منطقة الخرطوم، وحلت النوبية محل المروية، وبعد غزوات العرب اختفت اللغة النوبية من المنطقة الأخيرة، وانتشرت العربية داخل أراضي السهول”.
ويرجح تريجر أن “انقسام اللغة النوبية في شمال السودان إلى لهجتين، يرجع إلى هجرة جماعة تتحدث اللغة النوبية من شمال كردفان إلى ضفاف النيل الشمالية في قرون سابقة، فانقسمت اللغة النوبية النيلية في شمال السودان إلى لهجتين الأولى تسمى “اوْشْكِرينْ”، ويتحدث بها سكان إقليم دُنْقُلا في شمال السودان، وسكان منطقة الكُنُوز في جنوب مصر، واللهجة الثانية هي “نوبين”، ويتحدث بها سكان مناطق المَحَسْ والسكوت وإقليم وادي حلفا (فاديجا). وهناك فروق ضئيلة بين اللهجتين في تصريفاتهما اللغوية، وبعض مفرداتهما وتعابيرهما وإن اتفقتا في أساسهما القاعدي”.

قواعد وخصوصية

لكن إدريس يزعم بأن انقسام اللغة النوبية إلى لهجتين، لم يكن بسبب الهجرات التي أشار إليها بروس تيرجر، قائلاً إن “العصبيات التي سكنت في حوض النيل الشمالي، كانت تتحدث بلغات مختلفة. فقد تتحدث مجموعات المحس والسكوت والحلفاويين باللغة النوبية (نوبين)، بينما تتحدث الدناقلة والكنوز باللغة النوبية (أوشكرين)، حتى يومنا هذا. وإن أهم ما يميز اللغة النوبية بقسميها (نوبين، وأوشكرين)، انتشارها في الرقعة الجغرافية ذاتها، التي سادت فيها حضارات حوض النيل في شمال السودان وجنوب مصر، وقدرتها على التعبير عن تفاصيل الحياة والتراث والقيم، كلغة مكتوبة، بعد اكتشاف قواعدها وخصوصياتها في تفاصيل بناء الأسماء وصياغة الأفعال”.

مخطوطة نوبية
مخطوطة نوبية

ويلفت إلى أن الهجرات المستمرة للسكان من شمال السودان إلى أواسطه وغربه، بسبب عوامل الجفاف والتصحر، والغزوات الخارجية والصراعات السياسية، ساعدت في انتشار الثقافة ومفردات اللغة النوبية في أنحاء السودان، ما جعل للثقافة النوبية كبير الأثر في الثقافة السودانية بوجه عام، وبصفة خاصة في المناطق التي هاجر إليها النوبيون في مناطق الحرازة بكردفان، والبرقد والميدوب في دارفور، وفي جبال النوبة في جنوب كردفان، مروراً بالامتداد الثقافي في أعالي النيل الأزرق، وأخيراً النوبة الذين هُجروا إلى أرض البطانة في شرق السودان، عند قيام السد العالي عام 1964.

طرق الكتابة

ويتابع الباحث السوداني في تاريخ النوبة، “كتبت اللغات النوبية النيلية، بالأبجدية المصرية القديمة في مملكة كرمة، والخط المروي في مملكة مروي، وبالأبجدية النوبية، في الممالك النوبية المسيحية. ففي بدايات القرن التاسع عشر أعد بيركهارت قائمة مفردات نوبية، وأضاف كل من المؤرخين دي كادالفين ودي بروفيري عام 1819 قائمة مفردات، ظهرت فيها الخصائص الصوتية للكلمات النوبية، باستخدام الأشكال الكتابية التالية (a,e,u,o,i) للتعبير عن أحرف العلة القصيرة والطويلة، وهي، (الفتحة، والفتحة الممالة، والضمة، والضمة الممالة، والكسرة)”.
كما نشر إنجيل مُرقص عام 1860 في برلين، مكتوباً بالحروف اللاتينية، بواسطة أحد النوبيين السودانيين، وقد ظهرت عدة طبعات من هذا الإنجيل النوبي حتى العقد الأول من القرن العشرين. ثم نشر المستشرق راينيش قاموسه الألماني- النوبي، والنوبي- الألماني، بحسبان اللهجات الدُنْقلاوية- الكنزية، والمحسية – الفاديجا، لهجات متباينة للغة نوبية نيلية واحدة. كما قام عالم المصريات الألماني كارل ريتشارد ليبسيوس في 1880 بدراسة قواعد اللغة النوبية، محتويةً على قاموس ألماني-نوبي، ونوبي-ألماني، وقد استعمل الحروف اللاتينية لكتابة لغة نوبين. وفي ذلك الوقت تحديداً في عام 1906 كانت مخطوطات اللغة النوبية قد عُرفت عن طريق المؤرخ الألماني إريك إشميدت، والعالم البولندي شافر بوصفها لغة نوبية، ثم دُرست وأجري تحليلها من قِبل قريفث عام 1913، وتسيهيلارز عام 1928.

مشتقات اللغات النوبية
مشتقات اللغات النوبية

وفي عام 1909، نشر الإنجليزي واليس بدج، صوراً لمخطوطات نوبية في حالة جيدة في المتحف البريطاني، وفي عام 1913 وُضع الأساس الأول الثابت لدراسات اللغة النوبية على يد الإنجليزي قريفث، بعد اكتمال الحفريات في قصر إبريم على يد مارتن بلومي، والأميركي جيرالد براون، ونُشرت نصوص اللغة النوبية في ثلاثة أجزاء.
قام رائد اللغة النوبية محمد متولي بدر بإصدار كتابه الأول عن اللغة النوبية عام 1955، متضمناً بعض المقتطفات من اللغة الدُنْقلاوية والكنزية، وقائمة للمفردات النوبية، واستعمل الحرفين الإنجليزي والعربي لكتابة اللغة النوبية. وأصدر في عام 1978 كتابه الثاني “الأمثال النوبية”، كذلك صدر له في العام نفسه كتاب “متولي بدر” عن مبادئ القراءة مستخدماً اللاتينية كوسيط لكتابة الجمل النوبية، كما فعل في كل أعماله.

صفحة نوبية
صفحة نوبية

وكتب المؤرخ الأميركي جيرالد مايكل براون Brown في عام 1979 أكثر من ستين عنواناً في أبحاثة ودراساته عن اللغة النوبية، خلال عقدين من الزمان، باستخدام الحرف اللاتيني. وفي عام 1980 نشر الألماني آرثر سايمون نماذج من الأغاني النوبية بلهجتي نوبين وأوشكرين، وفي العام نفسه نشر المؤرخ الألماني رونالد فيرنر كتابه عن قواعد لغة نوبين. كما أنهى محيي الدين شريف مخطوطته عن مبادئ قراءة الفاديجا بالإنجليزية في عام 1955. وبعد عام نشر مختار خليل كباره قاموسه النوبي-الألماني، مستخدماً الحروف النوبية القديمة، تدشيناً لمرحلة جديدة، وتبعه بإصدار أول كتاب لتعليم الأبجدية النوبية عام 1997، مستخدماً أحرف اللغة النوبية القديمة تمهيداً لاستعمالها في كتابة اللغة النوبية.
وأصدر كل من الهادي حسن أحمد، وألفا لي هويلر كتابهما عن مبادئ القراءة النوبية في عام 1977، مستخدمين الحروف اللاتينية. ثم بادر مركز الدراسات النوبية والتوثيق في القاهرة في عام 1997 بتقديم تجربة الكتابة بالأبجدية النوبية في كتاب بعنوان “اللغة النوبية: كيف نكتبها؟”. وفي عام 1998 نشر أحمد سوكارنو عبد الحافظ منهجه حول كيفية استخدام الحرف العربي لكتابة كل من لغة نوبين والدُنْقلاوية الكنزية، وظهر قاموس يوسف سنباج في 1998 مستخدماً الحروف اللاتينية في كتابه اللغة النوبية.
دراسات نوبية
ويبين مكي إدريس، أن في عام 1999، قام مركز الدراسات النوبية والتوثيق بتنظيم ورش عمل حول اللغتين (نوبين، وأشكرين)، لإخراج كتاب واحد لتعليم القراءة، وجرى تنقيحه في الطبعة الثانية عام 2002. واستخدمت في الطبعتين الحروف النوبية القديمة، بينما استخدمت اللغة العربية كلغة شرح. ثم تواصلت جهود المركز في الخرطوم والقاهرة، وأصدر عدة مطبوعات في مجال الدراسات النوبية، منها كتاب “أورثوقرافيا اللغة النوبية”، كما أصدر الباحث النوبي عبد العال أحمد همت، كتاب “اكتب واقرأ اللغة النوبية”، عام 2014، ونشر الباحثان مكي علي إدريس وخليل عيسى خليل، كتاب “قاموس اللغة النوبية” (نوبين) عام 2015، وكتاب “معجم نوبي-عربي”، عام 2019، في مركز البحوث والتواصل المعرفي في الرياض.
ويؤكد الباحث أن اللغة “ليست أسماء وأفعالاً وروابط، فحسب، بل هي منظومة متكاملة محكومة بآليات بناء، وضوابط للاشتقاق والتصريف، ولكل لغة أو لهجة متفرعة من أصل، منظومة قاعدية تحكم طريقة تداولها. بمعنى أن أي لهجة تحمل جينات لغتها الأم بقدر ما. وإلى ذلك فإن دراسة أي لغة، ينبغي تتبعها وفق سماتها القاعدية، فهي في كل الأحوال أساسها الثابت، أما المفردات والمصطلحات، فهي عرضة للتغير والتحوير بتغير البيئات والأزمان”.
ويلفت إلى أن “حياة اللغة وازدهارها، يتوقفان على مدى ما يكتسبان من خبرات وإبداعات في اللغات الأخرى المجاورة. وأن عدم الحماسة لتداول مفردات وافدة من اللغات الأخرى، يحرم قاموس اللغة من التواؤم مع مستجدات العصر، ما يؤدي إلى انغلاقها على نفسها. وبعد التعرف على قواعد اللغة النوبية، بسماتها الخاصة وآليات البناء والاشتقاق والتصريف، بات في مقدور الباحثين في الدراسات اللغوية الأفريقية في السودان، الاستفادة منها في الدراسات القائمة للتعرف على سمات لغات منقرضة، مثل اللغة المرَوية، ولغة المراريت، وغيرها”.
وأضاف الباحث النوبي، “هذا العمل يتم بمزيد من التقييم والتقويم عبر ورش عمل متخصصة، ورصد ميداني ومكتبي مؤسس، وكذلك رفد تجربة مركز الدراسات النوبية والتوثيق، في تداول الكتابة بالأبجدية النوبية، وإثراء المكتبة النوبية، والعمل على تجويد التصميم الفني لأحرف الأبجدية، لتحقيق أقصى درجات الانسيابية، وتسهيل الكتابة اليدوية، وتأسيس مجمع لغوي، يقوم بمهام تقييم التجارب القائمة، ورصد المستجدات ذات العلاقة بالدراسات اللغوية. ويكون من مهامه وضع مناهج مرحلية، تعتمد تدريس قواعد اللغة النوبية، على أساس ضوابطها الخاصة، وآليات التفعيلة والاشتقاق المبنية عليها. وكذلك تشجيع الباحثين على التخصص في مجال تقعيد اللغة النوبية، وإعداد كوادر مؤهلة لتعليم هذه اللغة للناطقين بغيرها، لتسهيل المجال البحثي في هذا الميدان، فضلاً عن إنشاء مكتبة متطورة، لدعم أنشطة الترجمة عموماً، وترجمة البحوث والدراسات النوبية إلى اللغات الأخرى”.

قوة أردوغان الناعمة: رصد شبكات الإخوان المسلمين في تركيا

قوة أردوغان الناعمة: رصد شبكات الإخوان المسلمين في تركيا

أصدر مركز البحوث والتواصل المعرفي، اليوم، تقريراً خاصاً بعنوان (قوة أردوغان الناعمة، رصد شبكات نفوذ الإخوان المسلمين في تركيا)، أعدّه أستاذ العلوم السياسية بجامعة يوتاه الأمريكية م. هاكان يافوز في 52 صفحة من القطع المتوسط، اشتملت على ملخصٍ تنفيذي وثمانية مباحث بالإضافة إلى ملحقين اثنين بقائمة شخصيات الإخوان المسلمين في إسطنبول وقائمة مدارسهم.
وتناول التقرير جذور تحالف تركيا مع الإخوان المسلمين، ورؤية أردوغان العثمانية الجديدة، وشرعية تركيا القومية الإسلامية، والمحور التركي القطري والشبكات الإعلامية والشبكات التربوية الأكاديمية للإخوان المسلمين في إسطنبول، بالإضافة إلى مؤتمراتهم وشبكات الإخوان المسلمين غير المصرية في العاصمة التركية.
ويكشف م. هاكان يافوز عبر هذا التقرير المسار التاريخي الذي ربط تركيا أردوغان بجماعة الإخوان المسلمين وقطر، مشيرًا إلى أنه مسار حديث يخالف ما كانت عليه تركيا سابقاً بخصوص علاقتها مع الحكومات العربية، فبعد نأيها عن الخلاف مع العرب وارتدائها ثوب العلمانية الأوروبية لعقود، أصبحت اليوم من أجل خطة أردوغان التوسعية الطموح راعيًا لجماعة تُصنّفها 5 دول عربية على أنها جماعة إرهابية، واعتمدت على شبكاتها في العديد من دول العرب لإثارة القلاقل وتصعيد الصراع في المنطقة.
وطرح التقرير أبرز ملامح التنافسية بين الإخوان المسلمين وعزمي بشارة، والخطورة التي تحفّهم من تغيّر الحكومة التركية، أو من انفراجة إقليمية تخفّ فيها حدة النزاعات التي تتغذى عليها الجماعة في ليبيا وفلسطين وسوريا واليمن، وهذا الكابوس لجماعة الإخوان المسلمين هو الأكثر رعبًا لأنهم من دون دولة، وبقليل من النفوذ سيكونون أول من يُضحّى به.
يمكنكم الاطلاع على كامل التقرير باللغة العربية من هنا، وباللغة الإنجليزية من هنا.

لماذا أصبح رمضان سوقًا للفنّ الرديء؟

لماذا أصبح رمضان سوقًا للفنّ الرديء؟

أصدر مركز البحوث والتواصل المعرفي، مؤخرًا، تقريراً بعنوان ” لماذا أصبح رمضان سوق الفن الرديء؟”، تناول 13 مسلسلاً و7 برامج للمقالب عُرضت على الفضائيات العربيّة خلال شهر رمضان الماضي، ووجدت متابعة كبيرة، بسبب ظروف انتشار فيروس كورونا، الذي تحوّل إلى جائحة حبست الأنفاس في العالم، وفرضت على الناس البقاء في منازلهم، فأصبح التلفزيون أحد أهم الملاذات، بعد أُن أُغلقتِ المطاعم والمقاهي، التي كانت تستقطبهم، وتحتضن أمسياتهم الرمضانية.
وجاء التقرير الذي أعدّه الدكتور حسين حسن حسين، في 38 صفحة من القطع الكبير، مشيرًا في مقدمته إلى أن المستوى المتواضع لما قُدّم من مسلسلات وبرامج فرض سؤالاً مهمّاً: لماذا أصبح شهر رمضان المبارك سوقاً للفن الرديء؟ حيث الاهتمام بالكم على حساب الكيف، وإغراق الفضائيات بكلّ ما هو سيّىء في المضمون، وفقير فنيّاً، حتى أصبحت أخطاء المخرجين والممثلين محلَّ تندُّر المشاهد العادي، الذي لا يحتاج إلى كثيرِ تعبٍ لاكتشاف أخطاء فنية ساذجة، ما كانت ترتكب والدراما العربية تخطو أولى خطواتها في بدايات القرن الماضي؟
وإن لم يستعرض هذا التقرير كلَّ ما قدَّم من أعمالٍ، لكنّه اشتمل على نماذج تكفي للحكم على مستوى الدراما العربية مضموناً وشكلاً، إلى جانب تحليل برامج المقالب، للوصول إلى بعض النتائج، التي قد تفيد في إعادة تقييم هذه البرامج، وتجاوز الأخطاء الكارثية التي أصبحت سمةَ معظمها.
واستنتج الدكتور حسين حسن حسين أن أبرز السمات السلبية فيما قدم في شهر رمضان من مسلسلات وبرامج مقالب هي: الإساءة إلى الدين، اشتباك السياسة والدين والفن، العلاقات مع إسرائيل، الأخطاء التاريخية، والاستغلال والعنصرية، كثرة الأخطاء الفنيّة.

وجاءت التوصيات في ختام التقرير، وأبرزها من ناحية برامج المقالب كالتالي:

  • إخضاع برامج المقالب لتقييم عالٍ يتناول الجوانب الاجتماعية والتربوية والنفسية، ويتوخى خلوَّها من الاستهزاء بالضيوف، والحطّ من قدرهم، أو ممارسة التنمُّر عليهم.
  • ضمان عدم إساءتها لشعب أو فئة من الناس، كالقبائل، والمرأة، والأطفال.
  • ضمان خلو المشاهد من الألفاظ والمشاهد الخادشة، وعدم معالجة ذلك بإلغاء الصوت، لأنَّ بعض الضيوف يمثلون قدوةً لكثيرين من صغار السن.

أمّا التوصيات بالنسبة للمسلسلات فهي:

  • أهمية وجود لجنة للنصوص تضمُّ كُتَّاباً، ونُقَّاداً، لإجازة السيناريو والحوار، والنص لا يزال على الورق.
  • تحويل النصوص التاريخية أو تلك التي تتناول حقبة تاريخية معينة للمراجعة العلمية من مختصين.
  • إخضاع الأعمال بعد الانتهاء من تصويرها للجنة مختصة من مخرجين وفنيين للتنبيه إلى الأخطاء الفنيّة، وتفاديها قبل العرض، ومن ثم إجازتها.
  • تجنب طرح القضايا ذات الحساسية على نحوٍ عابر، مثل العلاقة مع إسرائيل، لأن المردود سيكون سلبيّاً.
  • أن تكون الأعمال السعودية أصيلة، ونابعة من المجتمع، وليست محاكاة لمجتمعات أخرى لها عاداتها وتقاليدها المختلفة، حتى لو كانت مجتمعات عربية، لوجود خصوصية لكلِّ مجتمع.
  • تولي الدولة إنتاج أعمال كبيرة ذات رسالة من خلال هيئة الترفيه، على أن تكون بمعايير موضوعية وفنية عالية.
قاسم سليماني: دور تخريبي وأقنعة متعددة

قاسم سليماني: دور تخريبي وأقنعة متعددة

أصدر المركز تقريرًا جديدًا بعنوان: (قاسم سليماني: دور تخريبي وأقنعة متعددة)، من إعداد الدكتور / حسين محمد الحسن، تناول فيه حياة قاسم سليماني، قائد (فيلق القدس) في الحرس الثوري الإيراني، الحافلة بالجرائم والتدمير، وأدواره التخريبية في المنطقة العربية، وأقنعته المتعددة التي يظهر بها في كل دور، والتي انتهت بمقتله في الثالث من يناير 2020م، إثر استهداف أمريكي لسيارته التي كان يستقلها بالقرب من مطار العاصمة العراقية بغداد.
اشتمل التقرير، الذي جاء في ست وأربعين صفحة من القطع الوسط، على عرض مفصل لحياة سليماني وتدرّجه الوظيفي في الحرس الثوري، الذي انتهي بتتويجه قائدًا لفيلق القدس، وانتقاله إلى المهمة الرئيسة المكلف بها، وهي تصدير الثورة، وقتال أعداء الخارج، كما تمليه عليه أيديولوجيته المبنية على الدم، التي ترى أن كلّ من لا يتبعها فهو عدو يندرج في صفوف الأعداء.
وقد أفاض التقرير في وصف أعماله التدميرية في المنطقة العربية، وتشجيعه للفصائل والميليشيات الإرهابية، كمليشيات “حزب الله ” اللبناني، و”الحشد الشعبي”، ومنظمة “بدر” العراقية، والميليشيا الحوثية، وغيرها.
وانتهى التقرير إلى القول: “وفي الختام مات الرجل الذي خدم بلاده ومبدأه الذي يؤمن به، وقام بأكثر من دور تخريبي في عددٍ من الدول العربية بعد أن حاول الوصول إلى أهداف بلاده بشتى الوسائل، وقد ارتدى أكثر من قناع، لعلّ من أكثرها خداعاً، قناع تحرير القدس، والاستشهاد على أسوارها، ولكنه مات على أسوار بغداد، وهو عائد من دمشق، وترك حلفاءه ووسائل تنفيذ أهدافه من العرب كالأيتام على مائدة اللئام.”

المركز يصدر “العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية وباكستان”

المركز يصدر “العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية وباكستان”

أصدر مركز البحوث والتواصل المعرفي، مؤخرًا، ضمن سلسة التقارير المترجمة تقريراً بعنوان “العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية وباكستان” الصادر عن مركز دراسات باكستان والخليج، للباحثين إفرا وقار وسندس أحمد، وترجمه قسم الترجمة في المركز.
وتناول هذا التقرير العلاقة بين البلدين ومراحل نشأتها وتطورها، حيث أشار إلى بداية العلاقة بين باكستان والمملكة العربية السعودية في أبريل عام 1940م، أي قبل سبع سنوات من حصولها على الاستقلال عن التاج البريطاني، لتحلّق بعد ذلك العلاقات الثنائية بين البلدين عقب استقلال باكستان في عام 1947م في آفاق جديدة من التعاون والصداقة، إلى أن عُرفت باكستان بـأقرب حليف مسلم للمملكة العربية السعودية، كما أصبحت السعودية من أولى الدول التي اعترفت بسيادة باكستان وحدودها على خريطة العالم.
وأشار التقرير الى أوجه التعاون المشترك بين البلدين في عدة تبادلات عسكرية واقتصادية وتبادل الاتفاقيات والزيارات بين مسئولي البلدين، مبيّناً أهم التحديات التي تواجه هذه العلاقة ويأتي من أبرزها الافتقار إلى التبادلات الثقافية، فعلى الرغم من الاهتمام والاحترام المتبادلين بين السعودية وباكستان، إلا أنّ التبادل الثقافي ضئيل بينهما، إذ ينتمي كلا البلدين إلى الحضارات القديمة، ويوجد إهمال في تواصل الشعبين.
كما تأتي من ضمن التحديات أيضاً نشوء العلاقات الشخصية بديلاً عن العلاقات المؤسساتية حيث ارتكزت العلاقات السعودية الباكستانية تاريخياً على شخصيات مهمة، مما يعني ضرورة تبادل المودة والثقة على المستوى المؤسسي، وقد يؤدي اعتماد الدولتين في علاقاتهما على بضعة أفراد إلى عواقب سلبية مستقبلاً، ويأتي انعدام العلاقات الاقتصادية القابلة للاستمرار بين البلدين ضمن أهم هذه التحديات فمن الملاحظ أنه توجد إمكانات اقتصادية هائلة بين السعودية وباكستان لم يُنتفع منها على نحوٍ تام، وتعد القيود الجغرافية الباكستانية وتنوعها السكاني المعقَّد الذي يتضمن المذهبين السني والشيعي من أهم التحديات التي لم يتم إدراكها من قبل الطرفين.
ويخرج الباحثان في نهاية هذا التقرير إلى وجود وئامٍ لا مثيل له في تقارب المصالح والتَآلُف بين السعودية وباكستان في مختلف الجبهات، وينطوي على نواحي إيجابية ونقاط قوة لا حصر لها في العلاقات الثنائية، إلى جانب التطورات السياسية، والتحولات النموذجية، والتغيرات الجيوسياسية على مرّ السنين، ولكن كما هو الحال مع أيّ اتحاد، يجب تجاوز قنوات التعاون التقليدية وتنويعها وهذا يشمل زيادة التفاعل بين الشعبين، والتبادلات الثقافية والأدبية، لا سيما بين الشباب، بحيث تتشكل علاقة متناغمة بين أجيال المستقبل.